علي بن محمد البغدادي الماوردي
265
أدب الدنيا والدين
الأدباء : غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله . وقال بعض الحكماء : إذا سكت عن الجاهل فقد أوسعته جوابا وأوجعته عقابا . وقال إياس بن قتادة : تعاقب أيدينا ويحلم رأينا * ونشتم بالأفعال لا بالتكلم وقال بعض الشعراء وللكف عن شتم اللئيم تكرما * أضرّ له من شتمه حين يشتم فهذه عشرة أسباب تدعو إلى الحلم وبعض الأسباب أفضل من بعض وليس إذا كان بعض أسبابه مفضولا ما يقتضي أن تكون نتيجته من الحلم مذمومة وإنما الأولى بالانسان أن يدعوه للحلم أفضل أسبابه وأن كان الحلم كله فضلا . وإن عرا عن أحد هذه الأسباب كان ذلا ولم يكن حلما لأننا قد ذكرنا في حدّ الحلم أنه ضبط النفس عند هيجان الغضب فإذا فقد الغضب لسماع ما يغضب كان ذلك من ذل النفس وقلة الحمية . وقد قالت الحكماء : ثلاثة لا يعرفون إلّا في ثلاثة مواطن لا يعرف الجواد إلّا في العسرة والشجاع إلّا في الحرب والحليم إلّا في الغضب . وقال الشاعر : ليست الأحلام في حال الرضا * إنما الأحلام في حال الغضب وقال آخر من يدّعي الحلم أغضبه لتعرفه * لا يعرف الحلم إلّا ساعة الغضب وأنشد النابغة الجعديّ « 1 » بحضرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ولا خير في حلم إذا لم يكن له * بوادر تحمى صفوه أن يكدّرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له * حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا فلم ينكر صلّى اللّه عليه وسلّم قوله عليه . ومن فقد الغضب في الأشياء المغضبة حتى
--> ( 1 ) النابغة الجعدي : أبو ليلى حسان بن قيس بن عبد اللّه رضي اللّه عنه أدرك الجاهلية والإسلام ، وإنما سمي النابغة لأنه أقام مدة لا يقول الشعر ، ثم نبغ ، أي قال الشعر وأجاده عمر 120 سنة ومات بأصبهان .